عين القضاة
مقدمة 6
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
وهذا الظنّ من السموم المهلكة لمن يسلك طريق العلم ؛ ومن لم يجرّب ذلك حقّ التجربة فلا يتصور أن يعرف ما أقوله . ولقد سلكت هذا الطريق ونظرت في غث العلم وسمينه ، وطالعت منه كلّ ضارّ ونافع حتى حصّلت ما كان بهمّنى فيما كنت بصدده ؛ وأمّا ما كان قليل الغناء فما التفت اليه ولا عرّجت في الطريق عليه علما بأنّ العلم كثير والعمر قصير ، فتضييعه في تحصيل ما لا تعظم فائدته حماقة . وكان عذرى إذ خضت كل مخاض في العلم واضحا فالغريق يتمسّك بكلّ شئ رجاء الخلاص . وقد كنت على شفا حفرة من النّار لولا أنّ اللّه أنقذنى منها بفضله وكرمه . وكان السبب في ذلك أنّى كنت أطالع كتب الكلام طلبا للارتفاع عن حضيض التقليد إلى ذروة البصيرة ، فلم أظفر منها بمقصودى . وتشوّشت علىّ قواعد المذاهب حتى تردّيت في ورطات لا يمكن حكايتها في هذه اللمعة ولا فائدة في سماعها أيضا للأكثرين ؛ فإنّه يولّد ضررا عظيما للأفهام القاصرة والقلوب الضعيفة . فتحيّرت في أمرى تحيرا تنغّص معه العيش حتى دلّنى دليل المتحيرين على الطريق ، وأمدّنى كرمه بالمعونة والتوفيق . وعلى الجملة فما أنعشنى من سقطتى بعد فضل اللّه تعالى إلّا مطالعة كتب الشيخ الإمام حجة الإسلام أبى حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي - رضى اللّه عنه - وأرضاه . فكنت أتصفّحها قريبا من أربع سنين ورأيت في هذه المدة من الاشتغال بالعلوم عجائب كثيرة مما استنبقذنى في الطريق من الكفر والضلالة والحيرة والعماية . وشرح ذلك لا يفي به بيان فإنه خارج عن حدّ الحصر والإحصاء ولا مطمع فيه لطلب الاستقصاء . ثم لمّا حصّلت مقصودى من العلم وظننت أنّى وصلت